مقدمة: التعاون الدولي في مكافحة الجريمة بين الإنتربول والتسليم
في عالم يتسم بحدود مفتوحة وتكنولوجيا متقدمة، لم يعد بإمكان أي دولة أن تواجه الجريمة الخطيرة بمعزل عن العالم. الجرائم المالية، الإرهاب، الاتجار بالبشر، غسل الأموال، والجرائم المنظمة لا تلتزم بالحدود القومية، وهو ما يستدعي آليات قوية للتعاون الجنائي الدولي
:من أهم هذين الآليتين
(INTERPOL) الإنتربول كمنظمة دولية لتبادل المعلومات وتسهيل التعاون الأمني بين أجهزة الشرطة في دول العالم
قانون تسليم المجرمين بوصفه الإطار القانوني السيادي الذي يحدد متى وكيف يمكن تسليم شخص من دولة إلى أخرى للتحقيق أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة.
أولاً: ماهية الإنتربول وطبيعة عمله
الإنتربول ليست جهة قضائية مستقلة ولا تستطيع إصدار أوامر قبض أو تسليم ملزمة. مهمتها الأساسية التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بين أجهزة الشرطة في الدول الأعضاء، مثل نشر النشرات الحمراء التي تطلب من الدول إلقاء القبض المؤقت على أشخاص مطلوبين تمهيدًا لطلب تسليمهم
لكن تنفيذ أي ملاحقة أو توقيف فعلي يتطلب تطبيق القوانين المحلية للدولة المعنية؛ فالنشرة الحمراء ليست مذكرة توقيف ملزمة قانونيًا بدلاً من الإجراءات الوطنية. وهذا يعكس التوازن بين التعاون الدولي وحماية سيادة الدول.
ثانيًا: الإطار القانوني الإماراتي لتسليم المجرمين
في دولة الإمارات، يخضع تسليم المطلوبين جنائيًا إلى نظام شامل في القانون الاتحادي رقم (39) لسنة 2006 بشأن التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية، وهو يشمل تسليم الأشخاص المتهمين أو المحكوم عليهم للتحقيق أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة، ويتضمن أحكامًا تفصيلية لما يلي
ثالثًا: شروط التسليم بموجب القانون الإماراتي
: تنص المادة (7) من القانون على عدة شروط أساسية حتى يكون التسليم ممكنًا، وهي
:ازدواجية التجريم
الفعل المطلوب التسليم من أجله يجب أن يكون جريمة في قانون الدولة الطالبة ويعاقب عليها بعقوبة سجنية لمدة سنة على الأقل أو أكثر.
ويجب أيضًا أن يكون الفعل نفسه، إذا ارتكب في الإمارات، جريمة معاقبًا عليها بعقوبة مماثلة.
وهذا يوضح مبدأ التجريم المزدوج (Dual Criminality) الذي يعتبر حجر الزاوية في طلبات التسليم.
مدة العقوبة المتبقية: إذا كان الطلب متعلقًا بتنفيذ عقوبة محكوم بها بالفعل، فيجب أن تكون المدة المتبقية منها ستة أشهر على الأقل
لا يهم تسمية الجريمة: حتى لو اختلفت مسميات الجرائم في قوانين الدولتين، ما يهم هو أن يكون الفعل معاقبًا عليه وفقًا للموجب القانوني لكل منهما
رابعًا: حالات رفض التسليم
:تُعد المادة (9) من القانون من أهم المواد، إذ تُحدد الحالات التي لا يجوز فيها قبول طلب التسليم على النحو التال
.إذا كان المطلوب تسليمه يحمل جنسية الدولة-
إذا كان القانون في الدولة يعقد الاختصاص للسلطات القضائية المختصة بشأن الجريمة المطلوب التسليم من أجلها-
إذا كانت الجريمة موضوع الطلب جريمة سياسية أو مرتبطة بجريمة سياسية، ولا يعد من هذا القبيل جرائم الإرهاب وجرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس البشري، وجرائم التعدي على رئيس الدولة أو أحد أفراد عائلته، أو نائبه، أو أحد أعضاء المجلس الأعلى أو أحد أفراد عائلته، أو رئيس الوزراء، أو سائر الأشخاص المتمتعين بحماية دولية، وكذا جرائم الاعتداء على مرافق الدولة ومصالحها الأساسية
إذا كانت الجريمة المطلوب التسليم من أجلها تنحصر في الإخلال بواجبات عسكرية-
إذا توافرت أسباب جدية للاعتقاد بأن طلب التسليم إنما قصد به ملاحقة أو معاقبة شخص لأسباب تتعلق بانتمائه العرقي، أو الديني، أو لجنسيته أو لآرائه السياسية أو أن يكون من شأن توافر أي من هذه الأسباب الإضرار بمركز هذا الشخص.
إذا كان المطلوب تسليمه قد اتخذت قبله في الدولة إجراءات التحقيق أو المحاكمة عن ذات الجريمة المطلوب تسليمه من أجلها-
إذا كان المطلوب تسليمه قد سبقت محاكمته عن الجريمة المطلوب تسليمه من أجلها وحكم ببراءته أو بإدانته واستوفى العقوبة المحكوم بها-
إذا كانت الجريمة المطلوب تسليمه من أجلها قد صدر بشأنها حكم بات من محاكم الدولة-
إذا كانت الدعوى الجزائية قد انقضت أو سقطت العقوبة بمضي المدة عند تقديم طلب التسليم-
اذا كان الشخص المطلوب قد تعرض أو يمكن أن يتعرض في الدولة الطالبة، للتعذيب أو معاملة لا إنسانية أو مهينة أو لعقوبة قاسية لا تتناسب مع الجرم-
إذا لم يتوافر له الحد الأدنى من الضمانات المقررة في قانون الإجراءات الجزائية-
هذه الضوابط تعكس توازن القانون بين التعاون الدولي ومراعاة حقوق الإنسان وعدم التعسف في تطبيق طلبات التسليم
خامسًا: إجراءات الطلب والتنفيذ
تقديم الطلب
يُقدَّم طلب التسليم كتابة عبر القنوات الدبلوماسية إلى السلطة المركزية في الإمارات، مصحوبًا بمستندات تشمل: بيانات وهوية المطلوب، الأفعال المنسوبة إليه، أمر القبض الدولي أو النص القانوني ذي الصلة ، نسخة من الحكم إذا كان الطلب يتعلق بمحكوم عليه.
العرض القضائي
بعد استيفاء الشروط الشكلية، تُحال الوثائق إلى النيابة العامة ثم إلى المحكمة المختصة، التي تنظر في الطلب بجلسة سرية مع حفظ حقوق الدفاع.
قرار المحكمة والطعن
المحكمة تصدر قرارًا مسببًا.
كلا من النيابة العامة والمطلوب تسليمه يمكنهما الطعن في القرار أمام المحكمة العليا ضمن آجال محددة.
سادسًا: جوانب عملية وأمثلة حديثة
توازن التشريع بين تسريع العدالة وحماية الحقوق الأساسية. فمثلًا، لا يجوز تنفيذ التسليم إلا بعد استيفاء كل ضمانات المحاكمة العادلة ومنع التعذيب أو العقوبات غير المتناسبة.
كما تم توثيق حالات تطبيق هذه العملية فعليًا، ومنها تسليم شخص متهم بالجرائم المنظمة إلى جمهورية أيرلندا بعد توقيع اتفاقية ثنائية مع الإمارات، رغم أن القضية بدأت بطلب نشرة حمراء من الإنتربول.
أخيرا خاتمة: بين الإنتربول والتشريع الوطني
:يمكن تلخيص موقع القانون الإماراتي في إطار التعاون الجنائي الدولي بهذه النقاط
الإنتربول أداة تعاون وإشعار دولي ليس بديلاً عن الإجراءات القانونية الداخلية
قانون تسليم المجرمين في الإمارات هو الإطار القانوني السيادي الذي يحكم متى وكيف يتم تسليم الأشخاص، ويشمل شروطًا صريحة ومتطلبات شكلية وإجرائية قائمة على مبادئ القانون الجنائي الدولي
الحقوق الأساسية مشمولة بحماية قوية، مما يمنع التعسف الدولي أو السياسي في طلبات التسليم